الجصاص

258

أحكام القرآن

فالواجب على الإمام منعه منه بالحجر والحيلولة بينه وبين ماله إلا بمقدار نفقة مثله ، وأبو حنيفة لا يرى الحجر وإن كان من أهل التبذير لأنه من أهل التكليف ، فهو جائز التصرف على نفسه فيجوز إقراره وبياعاته كما يجوز إقراره بما يوجب الحد والقصاص ، وذلك مما تسقطه الشبهة ، فإقراره وعقوده بالجواز أولى إذ كانت مما لا تسقطه الشبهة ، وقد بينا ذلك في سورة البقرة عند قوله تعالى : ( فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا ) [ البقرة : 282 ] . قوله تعالى : ( إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ) قيل فيه وجهان أحدهما أنهم إخوانهم باتباعهم آثارهم وجريهم قد على سننهم والثاني أنهم يقرنون بالشياطين في النار . قوله تعالى : ( وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها ) الآية . قيل فيه وجهان ، أحدهما : أنه علمنا ما يفعله عند مسألة السائلين لنا من المسلمين وابن السبيل وذي القربى مع عوز ما يعطي وقلة ذات أيدينا ، فقال : إن أعرضت عنهم لأنك لا تجد ما تعطيهم وكنت منتظر الرزق ورحمة ترجوها من الله لتعطيهم منه فقل لهم عند ذلك قولا حسنا لينا سهلا فتقول لهم يرزق الله ، وقد روي ذلك عن الحسن ومجاهد وإبراهيم وغيرهم . قوله تعالى : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) ، يعني والله أعلم : لا تبخل بالمنع من حقوقهم الواجبة لهم . وهذا مجاز ، ومراده ترك الانفاق ، فيكون بمنزلة من يده مغلولة إلى عنقه فلا يعطي من ماله شيئا ، وذلك لأن العرب تصف البخيل بضيق اليد فتقول : فلان جعد الكفين ، إذا كان بخيلا ، وقصير الباع ، ويقولون في ضده : فلان رحب الذراع وطويل اليدين ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه : " أسرعكن بي لحاقا أطولكن يدا " ، وإنما أراد كثرة الصدقة ، فكانت زينب بنت جحش لأنها كانت أكثرهن صدقة ، وقال الشاعر : وما إن كان أكثرهم سواما * ولكن كان أرحبهم ذراعا قوله تعالى : ( ولا تبسطها كل البسط ) ، يعني : ولا تخرج جميع ما في يدك مع حاجتك وحاجة عيالك إليه ( فتقعد ملوما محسورا ) يعني : ذا حسرة على ما خرج من يدك . وهذا الخطاب لغير النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يدخر شيئا لغد وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه ، وقد كان كثير من فضلاء الصحابة ينفقون في سبيل الله جميع أملاكهم فلم يعنفهم النبي صلى الله عليه وسلم لصحة يقينهم وشدة بصائرهم ، وإنما نهى الله تعالى عن الإفراط في الانفاق وإخراج جميع ما حوته يده من المال من خيف عليه الحسرة على ما